اسمه
عازر، ولد ببلدة طوخ النصارى بدمنهور في مصر في
الجمعة 2 أغسطس
سنة 1902، ووالده هو يوسف
عطا المحب للكنيسة وناسخ كتبها ومنقحها المتفاني في خدمة أمه الأرثوذكسية
حريصًا على حِفظ تراثها.
ابتدأ عازر منذ الطفولة المبكرة حبه
للكهنوت ورجال الكهنوت فكان ينام على حجر الرهبان.. فكان من نصيبهم ولا سيما
وأن بلدة طوخ هذه كانت وقفٌ على
دير البراموس في ذلك الوقت ولذلك اعتاد
الرهبان زيارة منزل والده لِما عُرِفَ عنه من حُب وتضلع في طقوس الكنيسة.
بدأ حياة فضلى تشتاق نفوسنا لها متشبهًا
بجيش شهدائنا الأقباط وآباء كنيستنا حماة الإيمان الذين ارسوا مبادئ الإيمان
المسيحي للعالم أجمع المبنية على دراستهم العميقة في الكتاب المقدس فكان
عازر
مُفْلِحًا في جميع طرقه والرب معه؛ لأنه بِقَدر ما كان ينجح روحيًا كان ينجح
علميًا. إذ بعد أن حصل على البكالوريا، عمل في إحدى شركات الملاحة
بالإسكندرية واسمها "كوك شيبينج" Cook Shippingسنة 1921 فكان مثال للأمانة والإخلاص
ولم يعطله عمله عن دراسة الكتب المقدسة والطقسية والتفاسير والقوانين
الكنسيّة تحت إرشاد بعض الكهنة الغيورين.
ظل هكذا خمس سنوات يعمل ويجاهد في حياة
نسكية كاملة، فعاش راهبً زاهدًا في بيته وفي عمله دون أن يشعر به احد، فكان
ينام على الأرض بجوار فراشه ويترك طعامه مكتفيًا بكسرة صغيرة وقليلًا من
الملح.
انطلاق للبرية
اشتاقت نفسه التواقة للعشرة الإلهية
الدائمة؛ للانطلاق إلى الصحراء والتواجد فيها، وبالرغم من مقاومة أخيه الأكبر
فقد ساعده
الأنبا يوأنس البطريرك الـ113، وطلب قبوله في سلك الرهبنة في
دير البرموس بوادي النطرون، بعد أن قَدَّم استقالته من العمل في يوليو
سنة
1927 (تلك التي صدمت صاحب الشركة الذي حاول استبقاءه برفع مرتبه
إغراءً منه، ولكن عازر كان قد وضع يده على المحراث ولم يحاول أن ينظر
إلى الوراء). فأوفد
البابا معه راهبًا فاضلًا؛ وهو
القس بشارة البرموسي (لاحقًا:
الأنبا مرقس مطران أبو تيج) فأصطحبه إلى
الدير وعند وصولهم فوجئوا
بإضاءة الأنوار ودق
الأجراس وفتح قصر الضيافة وخروج الرهبان وعلى رأسهم
القمص شنوده البرموسي،
أمين الدير لاستقباله، ظنًا منهم أنه زائر كبير! وعندما تحققوا الأمر قبلوه
على أول درجة في سلك الرهبنة فورًا مستبشرين بمقدمه، إذ لم يسبق أن قوبِل راهب
في تاريخ
الدير بمثل هذه الحفاوة واعْتُبِرَت هذه الحادثة نبوة لتقدمه في
سلك الرهبنة وتبوئه مركزًا ساميًا في الكنيسة.
تتلمذ للأبوين الروحيين القمص عبد المسيح
صليب والقمص يعقوب الصامت، أولئك الذين كان
الدير عامرًا بهم في ذلك الوقت،
وعكف على حياة الصلاة والنسك. ولم تمض سنة واحدة على مدة الاختبار حتى تمت
رسامته راهبًا في
كنيسة السيدة العذراء في الدير، فكان ساجدًا أمام الهيكل
وعن يمينه جسد
الأنبا موسى الأسود وعن يساره جسد
القديس إيسيذوروس. ودعى
بالراهب مينا وذلك في السبت
17 أمشير سنة 1644 الموافق 25 فبراير
سنة 1928
م.
وسمع هذا الدعاء من فم معلمه القمص يعقوب الصامت قائلًا "سِر على بركة الله
بهذه الروح الوديع الهادئ وهذا التواضع والانسحاق، وسيقيمك الله أمينًا على
أسراره المقدسة، وروحه القدوس يرشدك ويعلمك".
St-Takla.org Image:
His Holiness Pope Kirellos VI (Pope Cyril VI) praying the Holy Liturgy
صورة في موقع الأنبا تكلا:
قداسة البابا كيرلس السادس يصلي القداس الإلهي
فازداد شوقًا في دراسة كتب الآباء وسير
الشهداء، وأكثر ما كان يحب أن يقرأ هو كتابات مار إسحق فاتخذ كثيرًا من
كتاباته شعارات لنفسه مثل "ازهد في الدنيا يحبك الله"، و"من عدا وراء الكرامة
هربت منه، ومن هرب منها تبعته وأرشدت عليه". مما جعله يزداد بالأكثر نموًا في
حياة الفضيلة ترسمًا على خطوات آباءه القديسين وتمثلًا بهم. والتحق بالمدرسة
اللاهوتية كباقي إخوته الرهبان، فرسمه الأنبا يؤانس قسًا في يوليو
سنة
1931 م.، وهكذا أهَّلَهُ الله أن يقف أمامه على مذبحه المقدس لأول مرة في
كنيسة
أولاد الملوك مكسيموس ودوماديوس بالدير، كل ذلك قبل أن يتم ثلاث سنوات في
الدير. فكان قلبه الملتهب حبًا لخالقه يزداد التهابًا يومًا بعد يوم، لا سيما
بعد رسامته وحمله الأسرار الإلهية بين يديه.
تَوَحُّده
اشتاقت نفسه إلى الإنفراد في البرية
والتوحد فيها، فقصد مغارة القمص صرابامون المتوحد الذي عاصره مدة وجيزة
متتلمذًا على يديه، فكان نعم الخادم الأمين. ثم توجه إلى الأنبا يؤنس
البطريرك وطلب منه السماح له بالتوحد في الدير الأبيض وتعميره إن أمكن، وفعلا
مضى إلى هناك وقضى فيه فترة قصيرة، ثم أقام فترة من الوقت في مغارة القمص عبد
المسيح الحبشي، فكان يحمل على كتفه صفيحة الماء وكوز العدس
أسبوعيًا من دير
البرموس إلى مغارته العميقة في الصحراء حتى تركت علامة في كتفه إلى يوم
نياحته.
زاره البطريرك الأنبا يؤنس
عام 1934 وأعجب
بعلمه وروحانيته وغيرته، وشهد بتقواه مؤملًا خيرًا كبيرًا للكنيسة على يديه.
شهادته للحق
حدث أن غضب رئيس الدير على سبعة من الرهبان
وأمر بطردهم فلما بلغ الراهب المتوحد هذا الأمر أسرع إليه مستنكرًا ما حدث
منه، ثم خرج مع المطرودين وتطوع لخدمتهم وتخفيف ألمهم النفسي، ثم توجه معهم
إلى المقر البابوي وعندما استطلع البابا يوأنس البطريرك الأمر أمر بعودتهم
إلى ديرهم وأثنى على القديس المتوحد. إلا أن قديسنا استأذن غبطته في أمر إعادة
تعمير دير مارمينا القديم بصحراء مريوط، ولكن إذ لم يحصل على الموافقة توجه
إلى الجبل المقطم في مصر القديمة -الذي نقل بقوة الصوم والصلاة- واستأجر
هناك طاحونة من الحكومة مقابل ستة قروش سنويًا وأقام فيها مستمتعًا بعشرة
إلهية قوية وذلك في الثلاثاء 23 يونيو
عام 1936. حقًا لقد أحب القديس سكنى الجبال كما
أحبها آباؤه القديسين من قبل الذين وصفهم الكتاب المقدس بأن "العالم لم يكن
مستحقا لهم لأنهم عاشوا تائهين في براري وجبال ومغاير وشقوق الأرض" (عب
38:11). "لعظم محبتهم في الملك المسيح" (القداس الإلهي).
وهناك انصهرت حياته من كثرة الصوم والصلاة
والسهر حتى تحولت إلى منار ثم إلى مزار بعد أن فاحت رائحة المسيح الزكية منه
وتم القول الإلهي لا يمكن أن تخفى مدينة كائنة على جبل.
حدث أن داهمه اللصوص مرة في قلايته التي
بناها بنفسه في الكنيسة الصغيرة داخل الطاحونة ظنًا منهم أنه يختزن ثروة
كبيرة واعتدوا عليه بأن ضربوه ضربة قاسية على رأسه، ثم فروا هاربين بعدما
تحققوا أنه لا يملك شيئًا سوى قطعة الخيش الخشنة التي ينام عليها وبعض الكتب.
أما القديس فأخذ يزحف على الأرض لأن رأسه أخذت تنزف نزفًا شديدًا حتى وصل إلى
أيقونة شفيعه مارمينا العجايبي وصلى أسفلها وهو في شبه غيبوبة وفي الحال توقف
النزيف وقام معافى. على أن علامة الضرب هذه في جبهته لم تزل موجودة إلى يوم
إنطلاقه إلى الأمجاد السماوية إلا أنه لم يبق في هذا المكان الذي تقدس
بالصلوات المرفوعة والذبيحة الإلهية المقدمة يوميًا طويلًا إذ أثناء الحرب
العالمية الثانية. وفي الثلاثاء 28 أكتوبر
عام 1941 ظنه الإنجليز المحتلون أنه جاسوسًا
وطلبوا إليه مغادرة المكان فخرج متوجهًا إلى بابلون الدرج وأقام في فرن بكنيسة
السيدة العذراء.
عاش في العالم وهو ليس من العالم تعلق
بالسماويات وزهد بالأرضيات، كما
ذكرنا أيضًا هنا في
موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى.
وعرف معنى الغربة التي قالها مخلصنا فلم يعز عليه
مكان مهما تعب فيه وعمل بيديه وسهر. لأنه كان يحس تمامًا أنه ليس له ههنا
مدينة باقية وإنما يطلب العقيدة، فشابه معلمه الذي لم يكن له أين يسند رأسه.
ولذياع صيته وتقواه كان الكثيرون على مختلف
طوائفهم ومللهم يسعون إليه للتبرك منه وطلب صلواته0 فقام بطبع كارت خاص به
عليه (بسم الله القوي) باللغتين القبطية والعربية، ثم إحدى الآيات التي كان
يعيشها القديس ويحياها مثل (ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر
نفسه)، أو (ماذا يعطي الإنسان فداءً عن نفسه) أو غيرها من الآيات المُحببة
إليه وكان يوزعها على زائريه كما أصدر مجلة بسيطة شهرية أطلق عليها اسم
"ميناء الخلاص".
وفي
عام 1944 أُسْنِدَت إليه
رئاسة دير الأنبا
صموئيل بجبل القلمون kalamwn بمغاغة. وسرعان ما التف الشباب المتحمس الذين استهوتهم
الحياة الرهبانية حوله، الذين زهدوا في مجد العالم وزيفه وقصدوا، إليه
فاحتضنهم بأبوة صادقة وفتح لهم قلبه، فوجدوا في رحابه ورعايته ما أشبع نفوسهم
الجوعى وروى ظمأ قلوبهم، وتتلمذ العديد على يديه فترعرع الدير وازدهر، وسرعان
أيضا ما أقام لهم المباني وبنى أسواره المتهدمة بفضل تشجيع الغيورين الذين
الذين تسابقوا على رصد أموالهم وقفا للدير وفي وقت قصير تمكن من تدشين كنيسة
الدير ببلدة الزورة (التابعة الآن لمركز مغاغة محافظة المنيا).
وعلى أثر ذلك منحه المتنيح الأنبا أثناسيوس
مطران بني سويف في ذلك الوقت رتبة الأيغومانوس (القمصية) الذي قال يومها
"اشكر إلهي الذي خلق من الضعف قوة كملت به نعمته في الابن المبارك القمص مينا
وأتم هذا العمل العظيم".
ولكن كما هو معروف عن قديسنا الحبيب أنه
كثير التعلق بشفيعه
مارمينا وقد رأينا كم حاول أن ينفرد في بريته بصحراء
مريوط ولم يتسنى له فصمم على بناء ولو كنيسة صغيرة باسم
شفيعه العجايبي يعيش
فيها إلى أن يكمل غربته بسلام، وبالفعل قد أعانه الرب وهناك في مصر القديمة
من المنح والهبات والهدايا المتواضعة التي كان يتلقاها من أفراد الشعب الذين
عرفوا طريقه والذين كانوا يقصدونه طالبين الصلاة للشفاء من العلل وغيرها،
استطاع ببركة ربنا يسوع أن يبني له قلاية وكنيسة باسم
حبيبه مارمينا وذلك
سنة
1949. ثم توسع في البناء فأقام دارًا للضيافة كان يستقبل فيها الشباب الجامعي
المغترب ليقيم فيها مقابل قروش زهيدة. فكانت لهذه النواة بركة كبيرة، لأن
أولئك الشباب سعدوا بالعشرة الإلهية لأن هذا المكان الطاهر لم يقهم وحسب من
أجواء العالم الصاخب، ولكن أضفى عليهم روحانية عميقة حتى خرج الكثيرون من هذا
المكان المتواضع ليسوا حاملين للشهادات العلمية من جامعاتهم ولكن فوق ذلك كله
رهبانًا أتقياء، تدربوا على حياة الفضيلة والزهد وحياة
الصلاة الدائمة
والسهر، حيث كانوا يشاهدون معلمهم يستيقظ كل يوم مع منتصف الليل ليبدأ الصلاة
وقراءة فصول الكتاب على ضوء مصباح صغير داخل حجرته المتواضعة. وقبل أن يطرق
الفجر أبوابه اعتاد أن يغادر صومعته ويتجه نحو فرن الكنيسة ومن دقيق النذور
يبدأ عمل القربان ويشمر عن ساعديه ويعجن العجين، ثم يقطعه أحجاما متساوية
ويختمه ويضعه في فرن هادئ ويظل يعمل ويتلوا المزامير حتى يفرغ منه وعرقه
يتصبب ثم يتوجه إلى الكنيسة ليتلوا صلوات التسبحة ثم يقدس الأسرار الإلهية
ويعود إلي مكتبته وقلايته وخدمته0 فكانت حاجاته وحاجات الذين معه تخدمها يداه
الطاهرتان، يغسل ثيابه لنفسه ويطبخ ويخدم الجميع. على أن حجرته هذه باقية كما
هي للآن : السرير البسيط، المكتبة، الملابس الخشنة التي كان يرتديها كل شيء
كما هو قبل رسامته إلى لآن.
St-Takla.org Image:
His Holiness Pope Kirellos VI (Pope Cyril VI) with the people in one of His
pastoral visits
صورة في موقع الأنبا تكلا:
قداسة البابا كيرلس السادس مع الشعب في أحد زياراته الرعوية
وقد قام غبطته برسامة أخيه الأكبر قمصًا
على هذه الكنيسة باسم القمص ميخائيل يوسف ليشرف على هذا المكان الطاهر،
ويواصل عمل القداسات وتلاوة الصلوات فيه حيث تقدس هذا البيت كما يقول الرب
"وقدست هذا البيت الذي بنيته لأجل وضع اسمي فيه إلى الأبد وتكون عيناي وقلبي
هناك كل الأيام" (مل 3:9). كما كان
يحلوا له وهو بطريرك أن يتوجه إليه ليخلوا قليلا "ليملأ البطارية" أي ليأخذ
شحنة روحية على حد تعبيره.
اختياره للباباوية
"وأعطيكم رعاة حسب قلبي فيرعونكم بالمعرفة
والفهم" (إر 10:3). إن اختيار قداسة
البابا لم يكن بعمل إنسان ولكن المختار من الله لكنيتنا القبطية وقصة تبوأه
كرسيه الرسولي تدعو إلى العجب وإلى تمجيد اسم الرب يسوع الذي ينزل الأعزاء عن
الكراسي ويرفع المتضعين.
كان ترتيبه بين المرشحين السادس، وكان على لجنة الترشيح حسب لائحة السبت 2
نوفمبر 1957 أن تقدم الخمسة رهبان المرشحين الأوائل
للشعب. وفي اللحظة الأخيرة للتقدم بالخمسة الأوائل، أجمع الرأي على تنحي
الخامس، وتقدم السادس ليصبح الخامس. ثم أجريت عملية الاختيار للشعب لثلاثة
منهم فكان آخرهم ترتيبا في أصوات المنتخبين وبقى إجراء القرعة الهيكلية في
الأحد 19
إبريل
1959 ولم يخطر ببال أحد أن يكون إنجيل القداس في ذلك اليوم يتنبأ عنه
إذ يقول هكذا "يكون الآخرون أولين والأولون يصيرون آخرين" وكانت هذه هي نتيجة
القرعة.
ودقت أجراس الكنائس معلنة فرحة السماء
وأتوا بالقمص مينا البرموسي المتوحد ليكون
البابا كيرلس السادس بابا
الإسكندرية المائة والسادس عشر من خلفاء
مارمرقس
الرسول. وعند ذاك أيقن الشعب أن عناية الله تدخلت في الانتخاب ومن الطريف
أن يكون عيد جلوسه يلحق عيد صاحب الكرسي
مارمرقس الكاروز، يتوسط بينهما عيد
أم المخلص -كما اعتاد أن يدعوها غبطته- وكتبت تقاليد رئاسة الكهنوت على
ورقة مصقولة طولها متر وعرضها 7 سنتيمترات.
وقد سأله وقتئذ أحد الصحفيين عن مشروعاته
المستقبلية، فكانت إجابته "لم أتعود أن أقول ماذا سأفعل ولكن كما رأى الشعب
بناء كنيسة مارمينا بمصر القديمة وكان البناء يرتفع قليلًا قليلًا هكذا سيرون
مشروعات الكنيسة".
لقد كان أمينا في القليل فلا عجب أن ائتمنه
الروح القدس على الكثير، ومنذ ذلك الاختيار الإلهي والبابا كيرلس هو الراهب
الناسك المدبر باجتهاد.
باباويته
تميز عهد قداسته بانتعاش الإيمان ونمو
القيم الروحية ولا شك أن ذلك راجع لان غبطته إنما وضع في قلبه أن يقدس ذاته
من أجلهم -أي من أجل رعيته- على مثال معلمه الذي قال: "لأجلهم أقدس أنا
ذاتي". فحياته هو والراهب مينا كانت هي وهو البابا كيرلس في ملبسه الخشن
وشاله المعروف وحتى
منديله السميك ومأكله البسيط فلم يكن يأكل إلا مرتين في
اليوم الأولى الساعة الثانية والنصف ظهرًا والثانية الساعة التاسعة مساءًا،
وفي الأصوام مرة واحدة بعد قداسه الحبري الذي ينتهي بعد الساعة الخامسة
مساءًا وفي سهره وصلواته كذلك فكان يصحوا من نومه قبل الساعة الرابعة من فجر
كل يوم ليؤدي صلوات التسبحة ويقيم قداس الصباح وبعدها يستقبل أولاده.. وهكذا
يقضي نهار يومه في خدمة شعبه وفي الوحدة حبيس قلايته في التأمل في الأسفار
الإلهية.. لا يعرف ساعة للراحة حتى يحين ميعاد صلاة العشية فيتجه إلى الكنيسة
تتبعه الجموع في حب وخشوع.
فعلا كان مثال الراعي الصالح للتعليم لا
بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق والقدوة الصالحة. إنه عينة حقيقية من
كنيسة أجدادنا القديسين كنيسة الصلاة وتقديس الذات أكثر منها كنيسة المنابر
والوعظ الكثير...
فهو رجل الصلاة نعم إنه رجل الصلاة الذي
أدرك ما في الصلاة من قوة فعالة فكانت سلاحه البتّار الذي بواسطتها استطاع أن
يتغلب على أعضل المشكلات التي كانت تقابله.
وفوق ذلك فقد حباه الله موهبة الدموع التي
كانت تنهمر من مآقيه طالما كان مصليًا وموهبة الدموع هذه لا تُعطى
إلا لِمُنْسَحِقي القلوب، فكان يسكب نفسه انسكابًا أمام الله ويذوب في
حضرته، فإذا
ما كنت معه مصليًا أحسست أنك في السماء وفي شركة عميقة مع الله.
كثيرا ما كان يزور الكنائس المختلفة فجر أي
يوم حيث يفاجئهم ويرى العاملين منهم والخاملين في كرم الرب فكان معلما صامتا
مقدمًا نفسه في كل شيء قدوة مقدمًا في التعليم نقاوة ووقارًا وإخلاصًا.
وهذه الحياة المقدسة وهذه الروحانية
العالية التي لأبينا البار فقد ألهبت قلوب الرعاة والرعية فحذوا حذوه وفتحت
الكنائس وأقيمت الصلوات وامتلأت البيع بالعابدين المصلين بالروح والحق. وأحب
الشعب باباه من كل قلبه وأصبح كل فرد يشعر بأنه ليس مجرد عضو في الكنيسة بل
من خاصته. وأصبحنا نرى في حضرته مريضا يقصده لنوال نعمة الشفاء، مكروبا
وشاكيا حاله طالِبًا للصلاة من أجله ليخفف الرب كربه. وقد وهبه الله نعمة
الشفافية الروحية العجيبة فكثيرًا ما كان يجيب صاحب الطلب بما يريد أن يحدثه
عنه ويطمئنه أو ينصحه بما يجب أن يفعله في أسلوب وديع، حتى يقف صاحب الطلب مبهوتًا شاعرًا برهبة أمام رجل الله كاشف الأسرار.
وهكذا يفتح بابه يوميًا لاستقبال أبناءه
فقيرهم قبل غنيّهم، صغيرهم قبل كبيرهم ويخرج الجميع من عنده والبهجة تشع من
وجوههم شاكرين تغمرهم راحة نفسية لما يلمسونه من غبطته من طول أناه وسعة صدر
تثير فيهم عاطفة الأبوة الحقيقية الصادقة.
St-Takla.org Image:
Mamluke An Ottoman Mamluk, from 1810 by Carle Vernet
صورة في موقع الأنبا تكلا:
مملوك، عثماني، لوحة لـ كارل فيرنيه عام 1810
عاش قبل منتصف القرن الثامن عشر وإلى الربع الأول من
القرن التاسع عشر. عاصر فترة عصيبة معظمها تتسم بالصراعات المُرة بين
المماليك والأتراك، كما عاصر الحملة الفرنسية على مصر. سادت الفوضى البلاد
ولم يكن يوجد حاكم تهمه مصلحة البلاد.
يُعتبر أحد علماء الكنيسة اللاهوتيين، ويُعرف بفكره
اللاهوتي العميق وغيرته المتقدة للحفاظ على الإيمان المستقيم. بجانب
روحانياته العميقة ونسكياته وفضائله التي اتسم بها فسمح الله بالاحتفاظ
بجسده الطاهر إلى يومنا هذا.
الظروف السياسية:
يمكن تقسيم الفترة التي عاش فيها هذا الأسقف من ميلاده إلى نياحته (1735-1826 م.) إلى ثمان فترات:
الفترة الأولى 1735-1743 م:
ظهور شخصية عثمان كتخذا الإنكشارية [أي قائد الجيش
العثماني الجديد الذي كان يتكون من الصبية المسيحيين من البلاد المفتوحة،
كنوعٍ من الجزية، حيث كانوا يتربّون تربية عسكرية إسلامية، ولا يختلطون
بالشعب، ولا يتزوجون، ويحسبون أنفسهم عبيدًا للسلطان، وكان يعتبر من أشهر
الجيوش في العالم.].
ضم عثمان زعماء المماليك وسيطر على مصر، وامتاز
بالحزم. لكن ثار ضده أتباع جركس ثم ظهر عثمان بك من كبار المماليك الذي
تولى السلطة وكان حازمًا فاستتب الأمن.
الفترة الثانية 1744-1754 م:
ظهر فيها إبراهيم كتخذا الإنكشارية، وهو من المماليك، وسيطر على مصر.
الفترة الثالثة 1755-1772 م:
ظهر على بك الكبير الذي تطلع إلى إعادة مجد المماليك، وفي بداية عهده قام ضده زعماء آخرون من المماليك.
St-Takla.org Image:
Saint Yousab El-Abah (Yosab ElAbah, El Aba7), Departure: 17 Touba 1542 M. (1826)
- A Coptic Bishop at the times of the Ottomans, Coloring pic
صورة في موقع الأنبا تكلا:
القديس الأنبا يوساب الأبح - النياحة: 17 طوبه 1542 للشهداء (1826 ميلادية)
- أسقف قبطي في عصر العثمانيين - صورة للتلوين
إذ بدأت الحرب الروسية التركية عام 1769 م.، طلب
السلطان عبد الحميد الأول من على بك تجهيز فرق عسكرية. وإذ وشي البعض به
أنه يجهزها ليستقل بمصر عزله السلطان. لكنه لم يذعن للقرار واستولى على
الحجاز والشام، ثم انضم إلى الشيخ ضاهر العمر والي عكا، وتمكن الاثنان من
الاستيلاء على
دمشق.
لكن السلطان العثماني استمال محمد بك أبو الدهب قائد على بك الكبير، فغدر
به، وتمكن من هزيمة مصر، فهرب على بك إلى صديقه الشيخ ضاهر العمر عام 1772
م. وساعدتهما روسيا لمحاربة الدولة العثمانية، فعاد على بك إلى مصر والتقى
بقوات أبو الذهب عند الصالحية، لكنه هُزم ومات عام 1773 م.
الفترة الرابعة 1772-1775 م:
سيطر أبو الذهب على مصر في ولاءٍ للدولة العثمانية، ولإرضائها استولى على مدن كثيرة في الشام حتى توفى فجأة عام 1775 م.
الفترة الخامسة 1775-1798 م:
سيطر على مصر إبراهيم بك ومراد بك وهما من مماليك أبو الدهب.
ظهر إسماعيل بك الكبير الذي تمكن من طردهما إلى صعيد مصر، ولكنهما تمكنا من الرجوع، واستمر الصراع بين أمراء المماليك.
اضطر السلطان عبد الحميد الأول أن يبعث حملة عسكرية
بقيادة حسن باشا الجزايرلي لوضع حد للفوضى في مصر. هزم إبراهيم بك ومراد
بك، فهربا إلى الصعيد، ثم اتفق معهما أن يحكما المنطقة من جرجا إلى شلال
أسوان على أن يحكم إسماعيل بك بقية البلاد. لكن عاد إبراهيم بك ومراد بك
إلى مصر واستلما حكم البلاد كلها.
الفترة السادسة 1798-1801 م:
تمكن نابليون بونابرت على الاستيلاء بجيوشه على
الإسكندرية، وقام بتحصين الثغر، ثم تقدم إلى القاهرة بالرغم من المقاومة
الشعبية في دمنهور والرحمانية وإمبابة. في أغسطس 1798 م. حطم الإنجليز
الأسطول الفرنسي في موقعة أبي قير البحرية. لكن مضى بونابرت في حكم مصر، ثم
كليبر Jean Baptiste Kléber وبعده منو، وتم جلاؤهم في سنة 1801 م.
الفترة السابعة 1801-1805 م:
فترة صراع بن العثمانيين والمماليك من أجل الحكم، سادها الفوضى السياسية، بجانب تدخل قوة بريطانية بالإسكندرية والقاهرة.
في هذه الفترة ظهرت شخصيات قبطية لها دورها وصوتها
المسموع مثل الجنرال يعقوب القبطي، الذي كوّن وفدًا من أعيان الأقباط
لمفاوضة الدول الأوروبية عامة وبريطانيا خاصة في مسألة استقلال مصر. كما
ظهر عمر مكرم كزعيمٍ شعبيٍ ساهم في ثورة المصريين على أحمد خورشيد وخلعه
وتولية محمد علي باشا بدلًا منه.
الفترة الثامنة 1805 م:
بتولي محمد على الحكم بدأت مصر عهدًا جديدًا، دُعي عصر النهضة الحديثة في مصر.
نشأته:
St-Takla.org Image:
Saint Yousab El-Abah (Yosab ElAbah, El Aba7), Departure: 17 Touba 1542 M. (1826)
- A Coptic Bishop at the times of the Ottomans - Contemporary Coptic icon
صورة في موقع الأنبا تكلا:
القديس الأنبا يوساب الأبح - النياحة: 17 طوبه 1542 للشهداء (1826 ميلادية)
- أسقف قبطي في عصر العثمانيين - أيقونة قبطية حدثية
وُلد الطفل يوسف سنة 1735 م. في قرية النخيلة
بمحافظة أسيوط من أبوين بارين أمام الله. وكان والده من أغنياء القرية
ومشهود لهما بالتقوى والعطف على المساكين والفقراء، وكانت الأسرة تلقب
بأسرة "الأبَحّ". يظن البعض أنه دعي الأبَحّ لأنه كانا مصابًا ببَحَّة في
صوته. لكن كثيرين يرفضون ذلك، لأنه لو كان كذلك لما استطاع رثاء
المعلم إبراهيم الجوهري يوم نياحته
في 31 مايو 1795 م. بكنيسة السيدة العذراء بحارة الروم أمام ألوف من وُجهاء
البلاد والأراخنة، وعلى رأسهم حاكم مصر إبراهيم بك. كذلك قام الأنبا يوساب
بتأبين
البابا يوأنس الثالث في يوم نياحته.
تعلم الطفل مبادئ القراءة والكتابة واللغة القبطية
وحفظ المزامير، وصار يتلوها في كل وقت في خشوع وهيبة، كما درس الكتاب
المقدس. بالإضافة إلى التعليم، كان يوسف يساعد والده في أعمال الزراعة،
وكان يتصف بالمحبة والبساطة والتواضع. وكان مواظبًا على حضور الكنيسة
والتناول من الأسرار المقدسة، حتى امتلأ قلبه بمحبة التكريس وزهد العالم.
ثم أخذ يجاهد في الأصوام وأحب النسك، وكان يقوم في الليل مصليًا وساهرًا
على خلاص نفسه.
ولما بلغ الخامسة والعشرين من عمره أراد والداه أن
يزوّجاه، لكنه رفض إذ كان يشتاق لحياة الرهبنة، ففرح أبواه وباركا اختياره
الصالح.
رهبنته:
اتجه إلى دير الأنبا أنطونيوس وذهب إلى الأب إبراهيم
الأنطوني رئيس الدير الذي رحب به وباركه ثم طلب من الآباء الشيوخ أن
يختبروه فترة من الزمن. بعدها زكاه كل الشيوخ بفرحٍ. عاش يوسف بينهم في
ابتهاج قلبٍ فاكتسب محبتهم وثقتهم. وكان يخدم الرهبان بحبٍ، فصلوا عليه
وألبسوه ثياب الرهبنة باسم يوسف الأنطوني.
عكف على دراسة المخطوطات الموجودة بالدير والبحث في
علوم الكنيسة واللاهوت حتى نال قدرًا وافرًا من الثقافة الدينية والعلم
الغزير والمعلومات العامة. وبجانب جهاده الروحي من أصوام وصلوات ونسكيات
كان يخدم جميع الآباء الشيوخ بالدير بكل حبٍ وبذلٍ حتى زكّوه لنعمة
الكهنوت، فرُسِم قسًا ثم قمصًا، ومن ثَم أخذ يقوم بخدمة المذبح وتقديس
الأسرار بكل تواضعٍ وانسحاق قلب، فامتلأ من النعمة الإلهية وذاع صيته.
علاقاته بباباوات الإسكندرية:
عاصر الأنبا يوساب خمسة بطاركة جلسوا على كرسي مار مرقس.
سمع بسيرته وصفاته
البابا يوأنس الثامن عشر البطريرك المائة والسابع
ورغب في مقابلته، فاستدعاه ودار بينهما حديث في مواضيع شتى. وقف فيها الأب
البطريرك على عقليته وبصيرته فأحبه، وأسنَد إليه بعض أمور البطريركية،
فقام بها خير قيام. كانت علاقته
بالبابا قوية تتسم بالحب، فكلاهما كانا يحبان الذهاب إلى دير الأنبا أنطونيوس ويهتمان برهبان الدير، وعاشا ناسكين.
اتسم الأنبا يوساب الأبَحّ بالفضائل الروحية مع العلم الغزير والعمق اللاهوتي والغيرة على الإيمان الأرثوذكسي، فكان
البابا معجبًا به جدًا، لذا ركن إليه الكثير من شئون الكنيسة، خاصة التعليم وتثبيت المؤمنين في إيمانهم الأرثوذكسي. (ستجد المزيد عن
هؤلاء القديسين هنا في
موقع الأنبا تكلا في أقسام السير والسنكسار
والتاريخ). وكان
البابا هادئًا وديعًا متواضع القلب فأُعجب به الأنبا يوساب. جاء في مرثاته
للبابا: "جلس
البابا يوأنس
فوق الكرسي خجلًا ويستحي من الشيخ، ويخجل أن يكلم الصبي. يخشى الفقير
ويستحي من الغنى. ويخاف أن يكلم أحدًا، قائلًا في نفسه: أنت تعرف يا رب إني
إنسان حقير، ولست مستحقًا أن أُدعى لأحقر الناس عبدًا، فكيف أسمع من كافة
الناس إني أب وسيد لهم؟... ومع هذا القول كان يختفي من الجموع، ويستعمل
النوح والبكاء، قائلًا: يا رب أنت جعلتني رئيسًا على هذا الشعب، ولست أنا
بمستحقٍ أن أكون راعيًا، لكن أنت يا رب ارعهم وسسهم، لأنهم شعبك وغنم
رعيتك...
كان هذا البار متواضعًا للغاية، ولما رأى الإله
الرؤوف تواضعه ووداعته أرسل إليه نعمة الباراقليط، وملأه من الفضائل حتى
أنه صار مترجمًا لكل الكتب المقدسة، مفسرًا لكامل ألفاظها، متشبهًا بنوح
البار، بالسهر في أيام عمل السفينة.
St-Takla.org Image:
Contemporary Coptic icons, image
published by St. Anthony Monastery, Red Sea, Egypt - At the top of the image
there is Our Lord and Savior Jesus Christ, with Our Mother Saint Mary the
Virgin. Then right to left: Father Youstos El Antoni the Monk, Saint Anba Yosab
El-Abah the Coptic Bishop, Saint Markos ElAnthony, St. Anba Boles El Basiet
(Saint Paul the Simple), and St. Anthony the Great (Antonios of Egypt) the
father of all the monks in the world
صورة في موقع الأنبا تكلا: أيقونة قبطية حديثة إصدار دير الأنبا أنطونيوس بالبحر
الأحمر، مصر. في أعلى الصورة نرى ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، والسيدة مريم
العذراء القديسة. ثم نرى من اليمين إلى اليسار: القديس الأب الراهب أبونا
يسطس الأنطونى، القديس أنبا يوساب الابح الأسقف القبطي، القديس الانبا مرقس
الانطوني، القديس الآنبا بولس البسيط، والقديس الأنبا انطونيوس المصري أب
كل رهبان العالم.
بعد نياحة أسقف كرسي جرجا وأخميم استدعاه
البابا وأبلغه برغبته في سيامته أسقفًا، فاعتذر لكثرة أعبائه وزهده في المناصب، إلا أن
البابا قام برسامته رغمًا عن إرادته باسم الأنبا يوساب وذلك في سنة 1791 م.
وعندما وصل إلى مقر كرسيه في مدينة جرجا قام بافتقاد
شعبه وأخذ يطوف البلاد شرقًا وغربًا، لمعالجة بلبلة أفكار الكثيرين من
البسطاء، نتيجة عمل الإرساليات البابوية الرومانية. وكان يدخل القرى
والنجوع ليشرح حقائق الإيمان الأرثوذكسي وتثبيت الشعب على الإيمان السليم.
فاستقرت الأرثوذكسية في قلوب المؤمنين، وتمكن من إبطال بعض العادات الرديئة
خاصة أثناء الصلاة، فأحبه الجميع وصار سبب بركة للكثيرين.
كان رحومًا بالفقراء، وما كان يفضل منه يرسله إلى
دير الأنبا أنطونيوس من أجل تعميره، ولم يكن هذا البار يملك إلا ما يستر به
جسمه وما يحتاج إليه ليومه.
قام أنبا يوساب بتشييد كنيسة كبيرة في كرسيه، إلى جانب رسامته لعدد من الآباء الكهنة المباركين لرعاية الشعب والسهر على خدمته.
رسالة من بابا روما:
عندما أرسل
بابا روما رسالة إلى
البابا يوأنس الثامن عشر رسالة يدعوه فيها للاتحاد مع كنيسة روما تحت لواء
بابا روما، استدعى
البابا
الأنبا يوساب وطلب منه كتابة رد قوي على ادعاءات كنيسة روما وتفنيد دعواها
بالأدلة والبراهين، فقام الأنبا يوساب بكتابة رد مفصل ناقش فيه أهم
القضايا الإيمانية المختلف عليها.
ثم طلب
البابا
منه أن يقوم بحملة تعليمية في الأقاليم المصرية لتثبيت المؤمنين على
الإيمان الأرثوذكسي القويم، فقام بهذه الجولات في أغلب الإيبارشيات. وقد
وضع كتابًا ثمينًا هو "سلاح المؤمنين" يحتوي على مقالات تعالج القضايا
الإيمانية المختلفة، كما وضع كتابًا آخر هو "الدرج" نَسَبَه إلى
البابا يوأنس تقديرًا
للبابا وإنكارًا لذاته.
نياحته:
إذ قد تقدم في الأيام وأدركته متاعب الشيخوخة حاملًا
على كتفيه واحد وتسعين عامًا قضاها في خدمة الكنيسة التي أحبها، لزم دار
البطريركية بالقاهرة في ضيافة
البابا بطرس.
لكنه كان يشتهي أن ينطلق إلى السماء في دير الأنبا أنطونيوس، فاتجه إلى
الدير وبعد أن أقام فيه عدة أيام فاضت روحه الطاهرة في يد الرب، في
17 طوبة سنة 1542 ش. الموافق 24 يناير 1826 م.، فقام الرهبان بتجنيزه ودفنه.
بعد عدة سنوات من دفنه وجدوا جسده سليمًا لم يرَ
فسادًا فقاموا بإخراجه من المقبرة ووضعوه في مقصورة في كنيسة الدير. وقد
كرَّمت الكنيسة هذا الأب الجليل والعالِم اللاهوتي البار، فجعلت يوم نياحته
تذكارًا سجلته في السنكسار.
من كلماته:
إذ أفطرنا يا اخوتي والكنيسة صائمة نكون قد أفرزنا أنفسنا، وصرنا عثرة لغيرنا وسبب انحلال الضعفاء.
لا تصم بالخبز والملح، وأنت تأكل لحوم الناس بالإدانة والمذمة. ولا تقل أنا صائم صومًا نظيفًا وأنت تتسخ بكل الذنوب.